مر رجل فقير بجوار المطعم ، و راح يتنشق أدخنة اللحم المشوي الشهية و تتابع نظراته أبخرتها في لهفة ، بينما تتراقص و هي تعلو و تسمو في الهواء.
ماذا يفعل الآن !
لقد أثارت هذه الرائحة الذكية شهيته و لكنه لا يملك حتى درهماً واحداً ، لا يملك إلا كسرات قليلة من الخبز.
فأخذ الرجل الفقير يخرج كسرة تلو الأخرى مسرعاً و على رائحة اللحم الذكية راح يقضمها بغير أدم .
كان في غاية النشوة و هو يأكل الخبز و قد رسم في خياله ما يشم مذاقاً مختلفاً تماماً.
و بينما هو مستمتع بوجبته الوهمية ، إذ فجأةً أمسك به صاحب المطعم و بدأ يصرخ بصوت أجش : " أيها اللص المحتال ، لأقطعن يدك "
فقال الرجل الفقير في خوف :" والله لم أفعل شيئاً اتركني أرجوك" .
و انهال صاحب المطعم ضرباً على الفقير و هو يقول :" و الله لن أتركك يا لص" و كان صاحب المطعم رجلاً ضخماً و قوياً، بينما كان الرجل الفقير هزيلاً و ضعيفاً.
و أخذ الرجل الفقير يستغيث بالمارة الذين أخذوا يتفرجون في استفهام و دهشة.
فمن يعلم قد يكون هذا الرجل سرق شيئاً من صاحب المطعم، حتى مر بهم الحكيم بهلول ، أعقل المجانين.
كان الحكيم بهلول رجلاً حكيماً ، فطن ، شديد الذكاء و النبوغ ، غير أنه كان يفضل إدعاء الجنون ، لدرء المفاسد عنه ، فقول الحق لا يعجب كثير من الحكام و قد يودي به عدائهم إلى السجن و الهوان.
و لما رأى الرجل صاحب المطعم يضرب الرجل الفقير بشدة تدخل و باعد بينهما ، و قال له : " ما لك أنت ، ما بالك تضربه بغير رحمة؟"
فقال صاحب المطعم :" لقد سرقني يا شيخ بهلول ؟"
فرد الرجل الفقير مسرعاً:" لا تصدقه ، و الله لم أسرق منه شيئاً"
فقال الحكيم بهلول :" ماذا سرق منك؟"
فقال صاحب المطعم في تجبر :" رائحة اللحم الذي يطهى في مطعمي"
فقال الحكيم بهلول مندهشاً :" سرق الأدخنة!"
فقال الرجل صاحب المطعم :" لقد أكل الخبز على إثرها و يجب أن يدفع لي مقابل هذا "
فقال الرجل الفقير باكياً :" و الله لا أملك شيئاً و لم أفعل شيئاً"
ففكر الحكيم بهلول هنيهة ثم قال في تؤدة :" كم تريد مقابل أبخرتك هذه ؟"
راجع صاحب المطعم نفسه ثم قال في تعالي :" ثلاثة دراهم، لأنها أبخرة فقط"
فأخرج الحكيم بهلول ثلاثة دراهم و ألقاهم على إحدى طاولات المطعم ، و أخذت الدراهم الثلاثة تدور و تغرد على الطاولة حتى توقفت عن الحركة.
فأسرع الحكيم بهلول وأخذها مرةً ثانيةً و أدخلها إلى سرة دراهمه ، فقال له صاحب المطعم :" لماذا استعدتها؟"
فقال له الحكيم بهلول :" لقد أكل على رائحة شمها و أنا دفعت لك بنغمات دراهم سمعتها".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق