✍️ لم تهدأ الشمس برغم إقتراب وقت الغروب ، و استظل النّاس يحتمون من لهيبها في بيوتهم ، منتظرين في لهفة ساعة الإجابة المرجوة في آخر نهار الجمعة ؛ حتى يسألوا الله تعالى أن يفرّج الهم و الغم عن الأمة.
✍️ ڪان ثاني أيام التشريق من عام الخامس و الثلاثين هجرياً ، و الذي لم يحج فيه ڪثير من الصالحين ، نظراً للإضطراب الشديد الذي أصاب المدينة ، و عدم استقرار الحالة السياسية للدولة.
✍️ فڪان شاغلهم الأڪبر هو حماية أمير المؤمنين من المتآمرين عليه ، و حراسة داره ، و التي لا تزال محاصرة منذ أربعين يوماً ، و المسجد النبوي بعد أن بات تحت سيطرة المتآمرين تماماً .
✍️ مضى عيد الأضحى حزيناً ڪئيباً ، ليس له طعم و لا بهجة ، شيئاً ما تغيّر في بلاد المسلمين ، شيئاً ما ڪُسِر بينهم ، ڪأنّ شيطان أخذ ينفث نار حقده في قلوب الناس.
✍️ و فجأة سمع الناس ضجيجاً و هرجاً و مرجاً ، و أشرفت نائلة بنت الفرافصة على النّاس و هي تصرخ في هلع ، و تقول : قتلوا أمير المؤمنين ، قتلوا عثمان رضي الله عنه.
✍️ أقبل أهل المدينة يتسائلون ألم يڪن يحرس الأبواب الحسن و الحسين و قنبر مولى علي و محمد بن طلحة و عبدالله بن الزبير و غيرهم ، فقال قائل منهم أنّهم تسوروا الدار من جهة دار عمرو بن حزم ، فهجموا عليه و قتلوه.
✍️ فسأله آخر ألم يڪن معه أحد في داره يحرسه ؟ ، فأجابه لم يڪن معه إلا زوجته نائلة بنت الفرافصة ، تلقت السيوف عنه و لڪنها لم تستطع دفعهم .
✍️ وبلغ علياً و طلحة و الزبير الخبر رضوان الله عليهم أجمعين ، فخرجوا و عقولهم شاردة من هول المصيبة ، ودخلوا الدار فرأوا عثمان رضي الله عنه ملقى مذبوحاً ، فقال علي رضي الله عنه في غضب شديد : " كيف قتل وأنتم على الباب؟!! "
✍️ و لطم الحسن، و ضرب صدر الحسين ، و شتم ابني الزبير و طلحة ، و خرج غضبان إلى داره ، و رغم استشهاده رضي الله عنه إلا أنّ المتآمرين لم يهدءوا ، و ظلوا يحرّقون أبواب الدار ، و عمّت المدينة فوضى عظيمة.
✍️ تشاور المؤمنون ، و خلصوا إلى أنّ الأمثل هو دفنه بين المغرب و العشاء ، و بعد أن صلوا عليه خرجوا يحملونه ، فهاجم المتآمرين جثمانه رضي الله عنه و أخذوا يرجموه ، فدفعهم عنه الصحابة رضوان الله عليهم و أبنائهم ، و دُفِن رضي الله عنه في ڪوڪب شرقي البقيع.
✍️ قبل ستة أعوام من هذا الفاجعة الأليمة ، ڪانت بداية الفتنة ، لمّا أراد أهل مصر عزل عمرو بن العاص رضي الله عنه عن ولايتها ، و ذلك أنّ مروجو الفتن رغم اختلاف مصالحهم ؛ إلا أنّهم متفقين في وجوب إزالة العقبات التي تعرقل مصالحهم جميعاً.
✍️ فمنهم من يتاجر في المحرمات بشتى أنواعها ، لڪن إقامة حدود الله تحول بينه و بين رواج تجارته ، و منهم من يطمع في المال و السلطان ، و لڪن الوالي القوي التقي يحول بينه و بين أطماعه .
✍️ و منهم من هو عدو لهذا الدين ، و قد استشاط غيظاً من عزة الإسلام و قوته ، ڪيف أمسى و ڪيف أصبح !!؟
✍️ و بعد مراسلات و شڪاوى عديدة ، رأى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه أنّه ليس من الحڪمة أن يحڪم النّاس من لا يرضون حڪمه ، فأجاب مطلبهم و عزل عمرو رضي الله عنه ، و عيّن بدلاً منه عبدالله بن سعد بن أبي السرح.
✍️ و لڪن موافقته لم تڪن سوى الشرارة التي أضرمت النّار في الهشيم ، و طمع المتآمرين في لين أمير المؤمنين ، حتى أنّهم تطاولوا عليه ، و أخذوا يتهمونه و ينتقدوا سياسته و يؤلبون الناس عليه ، و ذلك أنّ مطلبهم الفتنة و لم يڪن أبداً عزل عمرو رضي الله عنه.
✍️ و تفاقمت الأحداث سريعاً ، و في غضون الست سنوات ڪانوا قد جمعوا ڪيدهم من مصر و الڪوفة و البصرة و اليمن و ذهبوا متآمرين على مقتل أمير المؤمنين.
✍️ و خرج لهم علياً رضي الله عنه بادئ الأمر ، يصدهم و يحجّهم في إتهامهم لعثمان رضي الله عنه ، و ڪانوا يتهمونه رضي الله عنه بعدّة اتهامات ؛ أنّه حمى الحمى ، وأنه حرق المصاحف ، وأنه أتمّ الصلاة ، و أنه ولى الأحداث الولايات ، وترك الصحابة الأڪابر ، وأعطى بني أمية أڪثر من الناس .
✍️ فحجّهم علي رضي الله عنه في ذلك ڪلّه و قال : أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن ، ولم يحمه لإبله و لا لغنمه ، و قد حماه عمر من قبله .
✍️ و أما المصاحف فإنّما حرق ما وقع فيه اختلاف ، وأبقى لڪم المتفق عليه ، ڪما ثبت في العرضة الأخيرة ، وأمّا إتمامه الصلاة بمڪة فإنه ڪان قد تأهل بها و نوى الإقامة فأتمّها .
✍️ و أما توليته الأحداث فلم يولّ إلا رجلاً سوياً عدلاً ، وقد ولى رسول الله ﷺ ، عتاب بن أسيد على مڪة وهو ابن عشرين سنة ، و ولّى أسامة بن زيد بن حارثة وطعن النّاس في إمارته فقال : إنّه لخليق للإمارة .
✍️و أمّا إيثاره بني أمية فقد ڪان رسول الله ﷺ ، يؤثر قريشا على الناس ، و و الله لو أنّ مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بني أمية إليها .
✍️ ثمّ نصح علي عثمان رضي الله عنهما أن يخطب في الناس و يبين لهم و يشهدهم ، فعمل بنصيحته و خرج فخطب فيهم رضي الله عنه.
✍️ هدئت النفوس لمّا سمعوا من فقه عثمان رضي الله عنه و علمه ، و لڪن رؤوس الفتنة أبوْا أن يخيب مسعاهم هباءاً ، فقرروا صبّ الزيت على النار التي ڪادت تخمد .
✍️ فرؤوس هذه الفتنة يعلمون أنّ ما يتهمون به عثمان رضي الله عنه ، ڪله أباطيل و أنّ خروجهم عليه ليس لأجل هذه الإتهامات و إنما ابتغاءاً للفتنة .
✍️ فطالبوا بعزل عبدالله بن أبي السرح بحجة أنّه ڪان قد ارتدّ في زمن النبي ﷺ ، و أن يستبدله لهم بمحمد بن أبي بڪر ، متوسمين أن يرفض الخليفة ، فيتخذوا من رفضه حجة يستڪملوا بها خروجهم عليه ، لڪن عثمان رضي الله عنه ، وافق لهم على مطلبهم حتى تهدأ الأمور و تمر هذه المحنة بسلام.
✍️ عادوا خائبين ، و ڪل شيطان منهم يفكر في مصيره المشئوم الآن بعد أن انقضت الفتنة ، فقد بات ڪل منهم معلوم للأمير ، و عداء كل منهم بات صريحاً الآن.
✍️ زوروا رسالة و وضعوا عليها ختم عثمان رضي الله عنه ، و ڪتبوا فيها أنّه يوصي ولاة بلادهم بقتلهم و صلبهم عند عودتهم ، فرجعوا إلى المدينة بهذه الحجة و حاصروه في داره ، مطالبين بخلعه عن الخلافة .
✍️ و حاصر داره رضي الله عنه أڪثر من ألفين متآمر ، و أخذ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين و أبنائهم يدفعونهم و يحولون بينهم و بين الدخول على عثمان رضي الله عنه.
✍️ و ازدادت الأمور حدّة ، فبدءوا يتوعدون عثمان رضي الله عنه بالقتل و يضرمون النيران في داره ، فنصحه عليّ رضي الله عنه أن يتصدى لهم بالقوة و يأمرهم فيقاتلوهم .
✍️ فأبى عثمان رضي الله عنه ، أن يراق دم مسلم فداءاً له ، فقد ڪان يعي تماماً رضي الله عنه أن مقتله مبتغاهم ، فضحى بنفسه و افتدى بدمه وئد هذه الفتنة ، و ڪان صبره رضي الله عنه على هذه المحنة على علم ، و ڪانت تلك نبوءة نبأه بها رسول الله ﷺ .
✍️ استيأس المجرمون الدخول عليه من الباب ، فتسوروا داره من دار مجاورة ، و أحسّت زوجته بدخولهم عليه ، فأشارت عليه أن تنزع خمارها لعلّ هذا يمنع دخولهم .
✍️ إذ أنّهم ڪانوا يدّعون أنهم أهل مروءة و دين ، فأجابها عثمان رضي الله عنه ، أنّ هذا ليس بمانعهم فإنّ الذي يطلبونه أڪبر من ذلك ، قاصداً أنهم أرادوا قتله ، و هذا أڪبر من انتهاك حرمة الدار و التهجم و الدخول على العورات و النساء
✍️ و أڪد عليها أن تبقي عليها خمارها و أنّ مقتله أهون عليه من أن تڪشف حزمة من شعرها ، و ڪان أول من دخل عليه محمد بن أبي بڪر ، فقبض على لحيته ، فنصح له عثمان رضي الله عنه و قال : " أنت تقبض على لحية لطالما ڪان يڪرمها أبوك " ، فلمّا ذڪّره بمنزلته عند الصديق رضي الله عنهما ، رجع محمد عن ذلك ، و لم يشارك في قتله ، و تاب إلى الله تعالى و خرج نادماً.
✍️ ثمّ دخل رجلان الغافقي و سودان بن حمران عليهما من الله ما يستحقا ، فجعل عثمان رضي الله عنه ڪتاب الله تعالى بينه و بينهما لعلّهم يتقون ، و ڪان يقرأ فيه رضي الله عنه لما دخلا عليه .
✍️ فرڪل الغافقي المصحف بقدمه و طعنه بسيفه ، و حاولت نائلة زوجته أن تتلقي ضربة السيف بدلاً عنه لڪنّه جذّ إصبعها و انغمس في بطن عثمان رضي الله عنه .
✍️ و أول ما قطر دمه ڪان على قول المولى تبارك وتعالى: [ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ]
✍️ و ڪان قد تسلل للدار رجلان آخران ، ڪنانة التجيبي و قتيرة السڪوني ، فطعناه بخناجرهم و ذبحه سودان الملقب بالموت الأسود ، لعنة الله عليهم أجمعين.
✍️ و من توها فاضت روحه الڪريمة إلى بارئها ، على عمل صالح و رضوان من الله و رسوله ، و منزلة عظيمة و بشرى من النبي ﷺ ، و إنا لله و إنا إليه راجعون .
و رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين 🌿
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق