البحث

السبت، 14 أكتوبر 2023

استشهاد الفاروق رضي الله عنه

✍️ ڪانت أولى ليالي المُحاق من ذي الحجّة ، و بالڪاد يمڪنك أن ترى الموجودات حولك ، بعد أن اصطبغت بلون الليل الأزرق القاتم .

✍️ ثُوِّب لصلاة الفجر ، و مرّ ڪعادته بين المصلين يساوى الصفوف ثمّ تقدّم للصلاة ، و ما إن ڪبّر و استفتح ؛ حتى سقط متأثراً بعدّة طعنات قاتلة .

✍️ ارتبڪت الصفوف الأولى ، و لاذ القاتل بالفرار ، و هو يلوح بسڪينه المسموم يميناً و يساراً، و يطعن ڪل من يحاول الإمساك .

✍️ طعن ثلاثة عشر رجلاً مات أكثر من نصفهم ، فخلع أحد المؤمنين قميصه و ألقاه عليه ، فلمّا ظنّ القاتل أنّهم أمڪنوا منه ، و أنّه واقع بأيديهم لا محال ، انتحر الخسيس و نحر عنقه بدمٍ بارد.

✍️ ڪان ألم إفساد الصلاة و إنقطاعها ؛ أشدّ عليه من آلام الموت ، فأمسك بيد صاحبه و قدّمه يصلي للناس بدلاً منه .

✍️ فصلى بهم صلاةً خفيفة ، و لمّا اختلف الصوت أخذ باقي المصلين يسبحون في دهشة . 

✍️ فمن ڪان في نواحي المسجد لم يعلم بالفاجعة التي وقعت ، و لمّا فرغوا من الصلاة ، حملوه إلى بيته و هو يحتضر.

✍️ بات المشهد أوضح ، لمّا اقتربت الشمس تُشرق و تسلط نورها على مسرح الجريمة و تڪشف ما ڪان .

✍️ أمّا المڪان فمسجد رسول الله ﷺ ، و أمّا الشهيد فڪان أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و أما المجرم القاتل فڪان فيروز المجوسي الذي يُڪنى بأبي لؤلؤة.

✍️ و ڪان الفاروق رضي الله عنه في آخر حجّة له ، قد دعا ربّه و سأله  الشهادة في بلدة نبيه ﷺ ، فلمّا رجع منها وقع هذا الحادث المفجع.

✍️ ساد الجميع حالة من الإضطراب الشديد ، مشاعر مختلطة من خوف شديد ممزوج ببث و حزن ، يقاومه أمل زائف يهمس سينجو منها عمر إن شاء الله.

✍️ و على فراش الموت دارت الأسئلة بذهن الفاروق رضي الله عنه ، فقد ڪان مرجو قتله من أعداء الدولة ، خاصةً بعد قرار إجلائه ليهود خيبر و نصارى نجران.

✍️ ڪثيرون هم أعداء الإسلام ، فمن ناحية ڪان الروم و الفرس ، و من ناحية أخرى ڪان يهود خيبر و نصارى نجران ، و  من ناحية ثالثة ڪان مبتغوا الفتن ، أولئك الذين خابت مساعيهم في نشر الفساد و تخريب الدين في عهده. 

✍️ فسأل رضي الله عنه : " من قاتلي ؟" ، فأجابه ابن عباس رضي الله عنهما : " أبو لؤلؤة ؛ غلام المغيرة ".

✍️ أغمض عينيه من شدّة الألم ، و تذڪّر قبل شهر من الحادث المشئوم ، حيث ذهب إليه ذلك المجرم ، يشڪو له ثقل قسط المڪاتبة الذي يدفعه لسيده نظير حريته، و ڪان فيروز هذا حرفيّ يجيد النجارة و الحدادة و عدّة حرف أخرى.

✍️ و ڪان القسط زهيداً جداً ، لا يحتمل التخفيف ، فقضى الفاروق رضي الله عنه بأنّ يبقى الوضع على ما هو عليه .

✍️ ذهب المجوسيّ مغاضباً ، ممّا أثار شفقة عمر رضي الله عنه و تقاةً أن يڪون حمّله ما لا يطيق ، فأوصى به أن يدفعوا من ماله الخاص بدلاً عنه ،  في حال  تعسّره .

✍️ ثمّ قال رضي الله عنه في تؤدة و ڪان يلفظ أنفاسه : " قاتله الله ! لقد أمرت به معروفاً" ، و سڪت هنيهة ، ثمّ قال : " الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدّعي الإسلام "

✍️ أخيراً وصل الطبيب و بدأ يتفحص الجراح الغائرة في جسم الفاروق رضي الله عنه ، فسأل الحضور أن يأتوه بشراب .

✍️ فآتوه بعصير من عنب غير مسڪر ، فسقى منه عمر رضي الله عنه ، لڪن الطبيب لم يتبين ما أراد.

✍️ فطلب حليباً و سقى منه عمر رضي الله عنه ، فوجده يخرج من الجرح الذي قطع بطنه.

✍️ استيأس الطبيب و دمعت عيناه و قال في حزن شديد : " أوصي يا أمير المؤمنين".

✍️ فقام شاب من الحضور ، يبشّر الفاروق رضي الله عنه بصحبة رسول الله و ما قدّم في الإسلام و منزلة الشهادة و التي بشره بها رسول الله ﷺ غير مرة .

✍️ و قال الفاروق رضي الله عنه رداً على ما قال الشاب أنّه يتمنى لو أنّه خرج منها ڪما جاء إليها ؛ كفافاً لا له و لا عليه.

✍️ و مضى الشاب فنظر إليه عمر رضي الله عنه ، و إذا به قد أسبل إيزاره عن عقبيه ، فمس الأرض .

✍️ فأمرهم رضي الله عنه أن يردوه عليه ، فلما رجع قال له عمر رضي الله عنه : " يا ابن أخي إرفع ثوبك ، فإنّه أبقى لثوبك ، و اتقى لربّك "

✍️ و ڪان أول من أوصى ابنه عبدالله رضي الله عنهما ، فسأله أن يقضي ما عليه من ديْن ، من ماله ، ثم من مال أبنائه إن أرادوا ، ثمّ من مال أقربائه إن أرادوا ، ثم من مال قريش إن أرادوا ، و ليس من بيت مال المسلمين .

✍️ ثمّ سأله أن ينطلق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها و قال له : " فقل يقرأ عليك عمر السلام ، و لا تقل أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم بأمير للمؤمنين " .

✍️ ذهب إليها عبد الله فوجدها تبڪي عمر بڪاءاً شديداً ، فبلّغها ما تمنى عليها عمر رضي الله عنهم جميعاً ، و هو أن يدفن إلى جوار صاحبيه ، النبي ﷺ و أبي بڪر رضي الله عنه.

✍️ ڪانت رضي الله عنها قد حفظت هذا المڪان لنفسها ، فلما استأذنها عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ، آثرت عمر على نفسها و آذِنَت له.

✍️ رجع عبدالله رضي الله عنه سعيداً مسروراً ، يبشره بقبولها ، فحمد عمر رضي الله عنه ربّه على ذلك ، و لڪنّه ڪان يخشى أن تڪون آذنت في ذلك حرجاً منه .

✍️ فأوصاه أن يعيد إستأذانها بعد موته ، فإن آذنت له ، فليدفن حيث تمنى ، و إن لم تأذن له يدفن في البقيع.

✍️ جاءت حفصة رضي الله عنها إليه ، و بڪته بڪاءاً شديداً ، و جاءت النساء خلفها ، ثمّ باقي الرجال ، فلم يڪن يوماً أحزن على النّاس من هذا.

✍️ ثمّ أبدى رأيه رضي الله عنه في إسناد الخلافة من بعده لمّا سئل عن ذلك ، فرأى أن تڪون بين ستة من المؤمنين ؛ و هم عثمان و علي و الزبير و طلحة و سعد و عبد الرحمن.

✍️ ڪانوا هؤلاء رضوان الله عليهم أجمعين ، هم كلّ من تبقى من العشرة المبشرين ، و لعلّه لم يذڪر بينهم سعيد بن زيد رضي الله عنه مخافة أن يُقال قد آثره ، لأنّه ڪان ابن عمّه و زوج أخته.

✍️ و آخر ما أوصى به أنّه أوصى قائلاً : " أُوصِي الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِي بالمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ؛ أنْ يَعْرِفَ لهمْ حَقَّهُمْ، ويَحْفَظَ لهمْ حُرْمَتَهُمْ، وأُوصِيهِ بالأنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ؛ أنْ يُقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ، وأَنْ يُعْفَى عن مُسِيئِهِمْ، وأُوصِيهِ بأَهْلِ الأمْصَارِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ رِدْءُ الإسْلَامِ، وجُبَاةُ المَالِ، وغَيْظُ العَدُوِّ، وأَلَّا يُؤْخَذَ منهمْ إلَّا فَضْلُهُمْ عن رِضَاهُمْ، وأُوصِيهِ بالأعْرَابِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ أصْلُ العَرَبِ، ومَادَّةُ الإسْلَامِ؛ أنْ يُؤْخَذَ مِن حَوَاشِي أمْوَالِهِمْ، ويُرَدَّ علَى فُقَرَائِهِمْ، وأُوصِيهِ بذِمَّةِ اللَّهِ، وذِمَّةِ رَسولِهِ ﷺ أنْ يُوفَى لهمْ بعَهْدِهِمْ، وأَنْ يُقَاتَلَ مِن ورَائِهِمْ، ولَا يُكَلَّفُوا إلَّا طَاقَتَهُمْ "

✍️ و فاضت الروح إلى بارئها على خاتمة حسنة و أعمال صالحة و منزلة و بشرى من رسول الله ﷺ.

🌿 رضي الله عن الفاروق عمر ، 
رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين 🌿 
-------------------------------------------------------
📖 المصادر :-
• صحيح البخاري ( ٢٧٣٠ - ٣١٥٢ - ٣٦٧٥ - ٣٧٠٠ )
• صحيح مسلم ( ١٧٦٧ )
• صحيح ابن ماجه ( ٢٨٧٩ )
• السيرة النبوية لابن هشام / العام السابع عشر هجرياً
• تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٥
• الأموال القاسم بن سلام ١ / ١٢٩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق