الجمعة، 3 يناير 2025

فتن آخر الزمان و المهدي

✍️ فتن و ملاحم آخر الزمان هي إحدى علامات الساعة المتفق عليها بين كافة الشرائع السماوية ، إلا أنّ رسول الله ﷺ كان أرفق الرسل بأمّته و الأشد حرصاً عليهم ؛ [ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] (١) ، لذا أخبرنا  عن هذه الفتن و فصّل ذلك تفصيلاً شديداً.

و كان دائماً يراودني تساؤل ، كيف ستقع الفتن رغم ما فصلّه لنا رسول الله ﷺ و أخبرنا به !!

✍️ و كان الجواب البديهي لهذا التساؤل أنّ قليلاً من الناس ما يؤمنون ، لذلك سيسقط أكثرهم في الفتن إذا ما حلّت ، و لكن مع الدراسة و التدبّر ، راجعت نفسي في هذه الإجابة ، فوجدتها يشوبها عدم الدقّة ، لذا وجب المراجعة و التدبّر.

✍️ لأنّ من المعلوم أنّ الفكرة الغير دقيقة هي أخطر حتى من الخاطئة ، إذ أنّ الخطأ آجلاً أموعاجلاً سوف تنتبه له و تسعى لتداركه ، أمّا ما لم تدقق فيه النظر ، فسوف تبنى عليه فكرك و معتقدك ، ثمّ في خاتمة الأمر و عاقبته تجد كل شيء قد انسحق و انهار على رأسك.

✍️ و بالنسبة للفتن فإنّ ما يذهل الألباب بحقّ ؛ هو عظيم قدر المولى ﷻ و نفاذه ، فرغم أنّه سبحانه و تعالى نبأنا بها و فصلها لنا على لسان رسله عليهم السلام أجمعين ، إلا أنها واقعة لا محالة ، و قد ينغمس بها بعض الذين يعلمون بأمرها تمام العلم ، فأعوذ بالله العظيم أن أكون منهم و اسأله البصيرة و النجاة لي و لكم.

✍️ و إذا ما دققت النظر في الأمر أكثر ، لتجدنّ أنّ ما يذهب العقل بحقّ ، هو أنّ مجرد إبلاغنا بوقوع الفتنة هو في حد ذاته فتنة ، لأنّ من بلغه الخبر سينتظر و يترقب وقوعها خوفاً منها و حرصاً على إيمانه أو تحرياً لصدق ما جاء به الرسل عليهم السلام أجمعين ، و مع التكرار التاريخي و تشابه الأحداث ، تجد البعض يقع فيها رغم علمه بها.

✍️ و كنت قد ضربت لكم المثل على ذلك بالملحمة الكبرى التي ستقع آخر الزمان (٢) ، و بينت مدى التشابه بينها و بين ما وقع خلال الحروب الصليبية ، و لتجدنّ هذا التشابه أيضاً فيما يقع و نعيشه اليوم ، و هنا يبقى التساؤل قائماً ؛ هل هذا ما نبأنا به النبي ﷺ !! أم هو مجرد تكرار تاريخي!؟ 

✍️ و مع الأسف الشديد لا يملك أحدنا جواباً جازماً لهذا التساؤل ، و لذلك هي "فتن" ، إذ أنها تمحص القلوب و تخرج بواطن النفوس ، ممّا قد يلفت المرء عمّا قضى عمره معتقد فيه و مؤمن به.

✍️ أضف إلى التكرار التاريخي و تشابه الأحداث ، فإنّ من أكثر ما يلبس على الناس أمرهم في أخبار الفتن ، هو كثرة الأحاديث المنتشرة بينهم بالرغم من عدم صحتها .

✍️ منها حديث فتنة الأحلاس و السّراء و الدهيماء ، و قد قال عنه الوادعي رحمه الله : " إذا نظرت إلى سنده حكمت بصحته ، و لكن قال أبو حاتم روى هذا الحديث ابن جابر ، عن عمير بن هانئ عن النبي ﷺ مرسل ، والحديث عندي ليس بصحيح كأنّه موضوع " . (٣)

✍️ و منها أحاديث الرايات السود لم يثبت منها أي حديث ، و منها الأحاديث التي تخبر عن السفياني ، لا يصح منها أيضاً أي حديث ، فبعضها أحاديث حكم أهل العلم بوضعها و البقية واهية السند ، و لم يختلفوا سوى في حديث واحد ، رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، صححه الحاكم و أخرجه في المستدرك و وافقه الذهبي ، إلا أنّه ضعيف ، لأنّ في سنده الوليد بن مسلم ، و كان يدلس تدليس التسوية عمداً ، و فيه يحيى بن كثير مدلس أيضاً.

المهدي المنتظر 

✍️ من الشخصيات المحورية في فتن آخر الزمان ،  و ذكر في صحيح السُّنّة النبوية الشريفة ، أنّه إمام المسلمين حتى عند نزول عيسى عليه السلام ، تبقى له الإمارة (٤) ، و ذكرت عنه أنّه من أهل بيت رسول الله ﷺ ، و اسمه على اسم النبي ﷺ ، فيخرج آخر الزمان و يخلفه في أمّته. (٥) 

✍️ يصلح الله ﷻ به شأنّ الأمّة فتكثر و تعظم ، و تملئ الأرض عدلاً و قسطاً ، و تعمّ البركة و الخير في عهده ، فتمطر السماء و تنبت الأرض و تفيض النعم (٦) ، و روي في صفته أيضاً أنّه أقنى الأنف أي أنّ فيها تحدّب و تقوّس ، و أجلى الجبهة أي واسع الجبين ، و سيملك في الناس سبع سنين. (٧)

✍️ و الأحاديث الصحيحة التي وردت في المهدي قليلة كما ترى ، و أمّا أغلب ما يقص عنه لا يصح منه شيء و لا أصل له ، و تناقل هذه الروايات الباطلة بين الناس تسبب في كارثة فقائمة مدعو المهدية في كل عام تزداد اسمين أو ثلاثة.

✍️ فلا تبتئس بما ترى من الأحوال المخذية التي نحياها اليوم ، و تظنّ أن المهدي شخص من درب الخيال ، لا و الله إنه لحق مثل أنكم تنطقون ، فطالما أخبر به المصطفى ﷺ فهو حق لا جدال فيه ، و كيف تعجب أن يبعث الله رجلاً يصلح به الحال ، ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير!!

✍️ و هل كان ذي القرنين إلا رجلاً واحداً ، سعى في الأرض مصلحاً بإذن ربه و هداه ، و كنت قد ضربت لكم هذا المثل من قبل و تشابه حال ذي القرنين بحال المهدي . (٨)

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق