الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

رحلة تميم و فتنة الدجال

✍️ تدبّرنا سوياً في المقال السابق (١) ، مدى خطورة فتنة الدجال بالأدلة الصحيحة و البراهين الثابتة ، و  قد حملت هذا العبء في صدري ، فأرقني لأكثر من خمسة و عشرين سنة ؛ قضيتها في البحث و القراءة عنه ، لأجد ما يطمئن به قلبي.

✍️ و ذكرت لكم أنّ أول ما علمت من أمر فتنة الدجّال كان حديث الجسّاسة ، و إني لأصدقكم القول حين أقول إني قرأت في علم الحديث حتى أتعلم تخريج هذا الحديث ، و لذلك هو أول ما خرّجت من أحاديث رسول الله ﷺ.
✍️ و في حديث الجسّاسة بعض النقاط تحتاج للتأمل و التدبّر ، و بعض أسئلة تجول بخاطري تحتاج إلى أجوبة ، فمثلاً لقد أسلم تميم و بايع لكن من دون رفاقه ، فماذا فعلوا هم إذن !؟ هل آمنوا بالدجال و صدقوه مثلاً !؟ 
✍️ كذلك رحلة العودة التي لم يذكر عنها شيء في الحديث ، هل عرفوا من خلالها أين كانوا !؟ هل عرفوا من خلالها كيف يعودوا للجزيرة إن أرادوا !؟ و لو أنّ الأمر كذلك فأين تلك الجزيرة !؟ من نفى الدجال إلى هذه الجزيرة مكبّلاً و مصفداً بهذه الطريقة !؟ 
✍️ و كما ترى فإنّ هذه ملاحظات كما يُقال من بين الأسطر ، أو بالأحرى إنّ إجابة هذه الأسئلة أشبه بأحجية مركّبة و معقدة ، لذلك يستلزم حلّها تحليل النص أولاً و استخراج المعطيات منه ، و من ثَمَّ نتمكن من الاستنتاج و الاستنباط بطريقة علمية و منطقية .

تحليل رحلة تميم الداريّ 

✍️ و المعطيات التي يمكننا إستخلاصها من رحلة تميم الداري إلى جزيرة الدجال ، بحسب ما جاء في الحديث الشريف ؛ هي :-

  • رفقة الرحلة ؛ رحلة بحرية من ثلاثين رجلاً عربياً من لخم و جذام ، و بعد عودتهم أسلم من هذه الجماعة تميم رضي الله عنه فقط.
  • جزيرة الدجال ؛ أبحروا فتسبب اضطراب الأمواج و سوء أحوال الطقس في أن ضلّوا وجهتهم ، واستغرق زمن رحلة الذهاب شهراً ، هذا عن رحلة الذهاب أما الإياب فلم يذكر عنها شيئاً في الحديث.
  • وافق نزولهم بالجزيرة مغيب الشمس ، و عسى أن ذلك هو السبب الذي لم يترك لتميم المساحة الكافية حتى أن يستفيض في الوصف و التعيين .
  • الجسّاسة ؛ هي دابة تنطق و تتكلم ، و لها شعر يغطيها جميعاً فلا يعرف وجهها من قفاها.
  • الدجال ؛ شيطان الإنس الأكبر ، ضخم جداً ، و هو مقيّد من قدميه و يديه حتى عنقه ، في مبنى بالجزيرة.
  • العلامات الستة و هم ؛ ١- جفاف بحيرة طبرية ، ٢- عدم إثمار نخل بيسان ، ٣- ماء عين زغر و الزراعة به ، ٤- بعثة النبي ﷺ ، ٥- هجرته من مكة ، ٦- انتصاره على أعدائه و الفتح.
  •  خروجه ؛ يطوف جميع الأرض في أربعين يوماً ، لا يترك قرية إلا نزل بها ، سوى مكة و طيبة ، و مكان خروجه عبر بحر الشام أو اليمن و الذي أكد عليه النبي ﷺ أنه يخرج من المشرق . 
  • و أبدى النبي ﷺ إعجابه بقصة تميم ، و ذلك لأنه صدق فيما روى من عجائب رحلته و الدليل أن ما حكاه قد وافق ما حدّث به النبي ﷺ من قبل أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. 
  • مكة و طيبة ، خير بقاع الأرض و أطيبها ، و مكة هي أم القرى و بها الكعبة المشرفة ، بيت الله الحرام ، و طيبة هي المدينة المنورة و بها ثاني الحرمين ، مسجد رسول الله ﷺ.

✍️ و سوف نتناول سوياً بإذن الله تعالى ، في هذا المقال بالتدبر النقاط الثلاثة الأولى ، من المعطيات التي أسلفت لكم . 

رفقة الرحلة - لخم و جذام 

✍️ لخم و جذام قبيلتان من القبائل السبئية الأصل ، فنسب كليهما إلى سبأ (٢) بن يشجب بن يعرب بن قحطان (٣) ، و هما من الأربعة الذين تشاءموا أي سكنوا و نزلوا ببلاد الشام كما جاء في حديث المصطفى ﷺ. (٤) 

✍️ و كان للخميين مُلك بالحيرة في العراق (٥) ، و سكنوا أيضاً فلسطين و الشام (٦) ، و من جذام أيضاً بطون ملأت بلاد الشام قبل الإسلام ، ثم انتشروا في مصر مع الفتح الإسلامي حيث إلتحقوا بجيش عمرو بن العاص. (٧)

✍️ و اعتنقت كل من لخم و جذام الإسلام عند غزوة تبوك ، حيث أسلموا و بايعوا بدون قتال ، فأثنى عليهما رسول الله ﷺ و قال : " الإيمانُ يمانٍ والحِكْمةُ هاهنا إلى لَخمٍ و جذامَ " (٨) ، أي أنّ قلوبهم منابع الإيمان و الحكمة لذلك اتبعوا الهدى لمّا جائهم.

✍️ و كانت دائماً لي ملاحظة على رفاق تميم الداريّ في هذه الرحلة ، لماذا لم يسلموا كما أسلم تميم !! لقد سألهم الدجّال عن بعثة نبي الأميين ﷺ ، و في هذا دلالة على نبوته ﷺ و صدق بعثته لأولي الألباب ، لأنّ النبوءة ببعثته الشريفة معلومة للبعيد و القريب ممّا يدل على أنها حق و من علم مسبق ، و الخبر بها متواتر.

✍️ فكما ترى نبوءة بعثته ﷺ ، معلومة لبعيد كهذا الذي أخبرهم بها و هو منعزل و موثق بالحديد في جزيرة نائية ، كما كانت معلومة للقريب من علمائهم و أحبارهم ، الذين قال فيهم المولى ﷻ : { أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ۝١٩٧ }. (٩)  

✍️ و إن لم ينتبهوا لذلك ؛ فكيف لم ينتبهوا لما عقّب به كلامه ، إذ أشار إلى صدق بعثته الشريفة و قال " أَمَا إنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لهمْ أَنْ يُطِيعُوهُ " ، تالله لقد صدقهم القول رغم أنه كذوب .

✍️ فأما تميم فقد أسلم و بايع و أما الباقون فلا ، فماذا فعلوا إذن !!؟ هل فتنوا به و صدقوه !!؟ فإن كان الأمر كذلك فهل كانت تلك هي النواة الأولى لجماعته و أعوانه !!؟ و لو أصاب ظنّي لتبين لنا مدى خطورته و تأثيره و فتنته ، إذ لم ينجو من الثلاثين إلا واحداً.

✍️ الغريب أن بعد ذلك خرج رجال أصولهم من لخم و جذام ، و ارتبطت اسمائهم بفتن كبرى وقعت بين المسلمين ، فمثلاً خرج من الحيرة جفينة النصراني (١٠) ، أحد الثلاثة الذين تآمروا على قتل عمر رضي الله عنه ، و كذلك الغافقي بن حرب أحد قتلة عثمان رضي الله عنه ، حيث تنحدر أصوله من أهل القبائل اليمنية التي سكنت الشام ، ثم نزلت بمصر عند الفتح الإسلامي.  (١١)

✍️ و لاحظ دائماً أن أمثال هؤلاء من مروجي هذه الفتن يحيطون أنفسهم بالسرية التامة ، فلا تجد أي معلومات عن اسمائهم أو أنسابهم ، كجفينة هذا ، أو عبدالله بن سبأ الذي لا نعرف حتى اسم أبيه ، و إنما كل ما نعرفه عنه هو انتسابه إلى سبأ .

✍️ و إني لست قاطعاً بشئ من هذا ، إنما العلم عند الله ، فلا ألقي إتهام على فئة أو طائفة أو جنس معبن ، حاشا لله ، و حتى أدرأ ذلك عن نفسي ذكرت عن عمد حديث النبي ﷺ و ثناؤه على أهل لخم و جذام ، لكن كل ما أحاوله هو فقط تتبع النتائج و الاستنباطات ، كأنّي أفكر معكم بصوت مرتفع.

جزيرة الدجّال 

✍️ و ذكر النبي ﷺ للخم و جذام في الحديث الشريف دلالة و إشارة واضحة إلى أن رحلة تميم قد بدأت من بحر الشام ؛ أي البحر المتوسط حالياً ؛ حيث مساكن لخم و جذام آنذاك ، و طالما أنّ خروج رحلتهم كان من سواحل الشام أي أقصى شرق البحر ، بذلك يكون الإحتمال الأرجح أنهم اتجهوا غرباً.

✍️ المثير للدهشة أنّ مِنَ البحارة الأوروبيين مَنْ حكى عن جزيرة مشابهة لتلك التى قصّ تميم الداريّ خبرها على النبي ﷺ ، إذ حكوا عن جزيرة سموها هاي برازيل على مقربة من السواحل الإيرلندية ، و حكوا أنّ فيها قلعة يسكنها مشعوذ ،  و لعلهم سموها قلعة لأنهم بحارة ، أما تميم فقد سماه ديراً لأنه كان نصرانياً ، و هذا هو المسمى الشائع للمباني العظيمة بحسب ملته ، و ممّن حكى ذلك بعثات بريستول لسنة ١٤٨٠ من التقويم الغريغوري ، و البحار  جون نيسبت لسنة ١٦٧٤ من التقويم الغريغوري . (١٢)

✍️ و بالرغم من شيوع هذه القصة إلا أنّها كُذّبت في الآونة الأخيرة و قيل أنّ الجزيرة ليست إلا أسطورة ، و ليس لها وجود في الحقيقة ، و مِنٔ ثَمَّ مُحيت من جميع الخرائط الحديثة ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ لكن العجيب أنّ ليس ما حكاه البحارة عن قلعة الساحر و الجزيرة هو التشابه الوحيد بين روايتهم و بين قصة تميم ، و إنما تحديد موقع الجزيرة أيضاً ، فسرعة السفن قديماً كانت حوالي ٥ عقدة بحرية أي مايعادل ٩.٢٥ كم/س (١٣) ، و بما أنّ المدة التي قضاها تميم و رفاقه في البحر هي شهر كما جاء في الحديث الشريف .

✍️ فمن قانون السرعة يمكننا احتساب المسافة ( المسافة (كم) =السرعة (٩.٢٥ كم/س) × الزمن (٣٠ يوم × ٢٤ ساعة) = ٦٦٦٠ كم ، العجيب أنّ المسافة من سواحل الشام إلى موقع الجزيرة التي وصفها البحارة ، هي حوالي ٦٥٥٨ كم ، و عسى أن يكون الفارق بين المسافتين ، هو مقدار ما ضلوا في البحر أو عدم دقة في قياسي.

✍️ لكن كل هذه التواريخ التي حكت عن مقابلة هذا الساحر أو نزول أحد إلى جزيرته تبعتها أحداث  محورية و نقطة تحول عالمية ، فخرج ابن صائد ومسيلمة الكذاب و العنسي و غيرهم ، يدعون النبوة بعد رحلة تميم الداري .

✍️  و بعد بعثات بريستول اندلعت حرب غرناطة ١٤٨٢ غريغوري التي أنهت حكم الدولة الإسلامية في إسبانيا ، ثم تم اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ١٤٨٨ غريغوري ، و قد أشار الحديث الشريف إلى طريق رأس الرجاء الصالح ، حيث قال النبي ﷺ : " أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّأْمِ ( أي البحر المتوسط) ، أَوْ بَحْرِ اليَمَنِ ( أي بحر العرب) ".

✍️فلو أنّ الجزيرة غرباً كما استنتجنا ، سيكون خروجه للشرق من أحد طريقين ، طريق مباشر عبر مضيق جبل طارق ثم البحر المتوسط إلى سواحل الشام ، أو طريق رأس الرجاء الصالح ، بالإلتفاف حول إفريقيا إلى أن يصل إلى بحر العرب ، ثم يتجه شمالاً عبر البحر الأحمر أو الخليج العربي.

✍️ رسم لوحة مخلص العالم لدافنشي ١٤٩٠ غريغوري ، و اكتشاف القارة الأمريكية ١٤٩٢ غريغوري ، التنصير الإجباري لمسلمين غرناطة ١٥٠١ غريغوري و إخماد الثورات ، و تأسيس الدولة الصفوية الشيعية في ذات العام ، و أما بعد رحلة جون نيسبت ، فقد وافق ذلك تأسيس و الإعلان عن جماعات و تنظيمات ، طالما كانت متهمة بالتآمر على العالم ، و الغريب أن كل هذه التنظيمات اختارت العين الواحدة شعاراً لها.

✍️ و أشدد على أنّي لست جازماً بشئ من هذه الاستنتاجات ، و إنّما العلم عند الله ، و من بين كل ما ذكرت لكم من القصص عن هذه الجزيرة ، ليس مصدق عندي سوى قصة تميم ، و ذلك لأنها وردت في حديث صحيح عن النبي ﷺ ، لكن هذه ليست سوى استنباطات و فرضيات منطقية أسوقها إليكم متتبعاً احتمالات نتائج ما جاء من معطيات في حديث النبي ﷺ.

مغيب الشمس و إرفائهم إلى الجزيرة

✍️ لمّا رست السفينة بتميم و رفاقه بالجزيرة ، إنما وافق ذلك وقت مغيب الشمس ، و هذا ما لم يمكّن لتميم رضي الله عنه أن يستفيض في وصف المكان و تعيينه و كذلك من الدجّال و وصفه.

✍️ لكن الظلام لم يكن دامساً إلى حد يعصمه من الرؤية تماماً ، إذ أنّه وصف بعض الأشياء ، فقد وصف الجسّاسة و غزارة شعرها و كثافته ، و وصف ضخامة حجم الدجّال ، شدة الأصفاد التي وُثِّق بها.

✍️ فتلك جزيرة نائية و غير مأهولة ، فماذا تنتظر فيها عند المغيب سوى الظلام ، و عسى أنّ الله ﷻ قدّر لهم ذلك ، لأنه سبحانه لم يأذن أن نحيط علماً بأمر الدجّال سوى بهذا القدر ، و الله أعلى و أعلم.

✍️ و ما تدبرنا سوياً في هذا المقال ، هم الثلاث نقاط الأولى من المعطيات التي لدينا و سنتناول البقية في المقالين القادمين بإذن الله ﷻ ، و ما قدمت ليس إلا افتراضات ، لا أجزم بشيء منها .

✍️ إنّما أردت أنّ أسلط الضوء على بعض النقاط التي قد تساهم في إجابة أسئلتي التي طرحت أول المقال ، لذا فما كان منها خطأ أو سهو فمن نفسي و من الشيطان و ما كان منها من حق و صواب فمن الله وحده و بفضله .

🌿سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

-----------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) مدونة القصص لأبي صلاح/ مقال الدجال و الفتنة الأعظم كما لم تعرفها من قبل 
(٣) موسوعة القبائل العربية لمحمد سليمان الطيب (٧٩ : ١٣٠ /٢)
(٣) الإنباه على قبائل الرواة للإبياري (ص٩٨)
(٤) صححه الألباني في صحيح أبو داود (٣٩٨٨) ، و صحيح الترمذي (٣٢٢٢) ، حسنه الترمذي (٣٢٢٢) ، و سكت عنه أبو داود و قال في رسالته أن ما سكت عنه هو صالح ، و أخرجه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤٩٢/٦) ، و قال : إسناده جيد.
(٥) نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي (ص٤١١)
(٦) موسوعة القبائل العربية لمحمد سليمان الطيب (١٢٤/٢) 
(٧) موسوعة القبائل العربية لمحمد سليمان الطيب (٥٥٩/١)
(٨) صححه الحافظ العراقي في محجة القرب (٣٥٤) ، و صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (١٣٣٤٦) و صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣١٢٦).
(٩) آية ١٩٧ - سورة الشعراء
(١٠) تاريخ ابن خلدون (٥٧٠/٢)
(١١) العواصم من القواسم لابن العربي (ص١١٢)
(١٢) موسوعة ويكيبيديا / البرازيل (جزيرة أسطورية)
(١٣) جهاز حماية و تنمية البحيرات و الثروة السمكية/ المصايد السمكية / السفن / المراكب الشراعية ٢٠٠٩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق